عبد الله الأنصاري الهروي

253

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

أنّه مؤثّر ، فقد ادّعى ملك ما آثر به غيره ، والملك حقيقة إنّما هو للَّه تعالى ، لا إلى نفسه ، فآثر إيثار اللّه تعالى على إيثار نفسه خروجا عن دعوى الملك ، فهذا معنى قوله : إيثار إيثار اللّه ، فإنّ الخوض في الإيثار دعوى في الملك ، ويعني بالخوض في الإيثار التعرّض للإيثار . قوله : ثمّ ترك شهود رؤيتك إيثار اللّه تعالى ، / يعني أنّك إذا آثرت إيثار اللّه تعالى بتسليمك مع الإيثار إليه ، فيلزمك شرط آخر ، وهو أن تعرض عن شهود رؤيتك إنّك آثرت الحقّ تعالى بإيثارك وإنّك نسبت الإيثار إليه لا إليك ، فإنّ في شهود رؤيتك أنّك آثرته دعوى أخرى أعظم من دعوى الملك ، وهي إنّك ادّعيت أنّ لك شيئا آثرت به اللّه تعالى ، وإنّك قدّمت الحقّ تعالى على نفسك فيه بعد أن كان لك ، وهذه الدّعوى أصعب من الأوّل ، فإذا يجب عليك أن تترك شهود رؤيتك إيثار إيثار اللّه تعالى ، فلا تعتقد أنّك آثرت اللّه تعالى إيثارا للَّه ، بل هو الذي آثر نفسه ، وإنّ الأثرة واجبة بإيجابه إيّاها لنفسه ، لا بإيجابك إيّاها له . قوله : ثمّ غيبتك عن التّرك ، أي تغيب أيضا عن ذلك التّرك ، فإنّك إن لم تغب عن ذلك التّرك بقيت معك دعوى أخرى ، وهي دعوى أنّك تملك التّرك ، وهي دعوى كاذبة ، إذ ليس للعبد شيء من الأمر ، لا الفعل ولا التّرك . وبهذا المقدار تعلم أنّ الأثرة تصحّ كرها ، فإنّ الإيثار والأثرة من اللّه إن اختار العبد أو لم يختره ، ألا إلى اللّه تصير الأمور . ومعنى أنّ الأثرة للَّه تعالى ولو كره العبد ، هو أنّ الشّهود والكشف يظهران الأثرة للَّه تعالى أنّ العبد لم يكن له قطّ شيء أصلا .